مرتضى الزبيدي
288
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
يعرف به العبد ربه ونفسه ، وخطر أمره في لقاء اللّه والحجاب منه ، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن . قال اللّه تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ الفاطر : 28 ] فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات ، فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلأ منها امتلأ بها كبرا ونفاقا ، وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوما ، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة ، وهذه تورث التواضع غالبا . السبب الثاني : أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيىء الأخلاق ، فإنه لم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه فبقي خبيث الجوهر ، فإذا خاض في العلم - أي علم كان - صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره . وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال : العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوّله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة ، فكذلك العلم يحفظه الرجال فتحوّله على قدر هممها وأهوائها ، فيزيد المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا ، وهذا لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا ، وإذا كان الرجل